ابن حجة الحموي

233

خزانة الأدب وغاية الأرب

وشدته قرنتها بالدين لعظمه فأكرم بها ملاءمة وشرف قران وقد ورد نص الكتاب بذلك في قوله تعالى محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم وقولي في القافية للعظم بعد ثبوت الشدة للدين في غاية التمكين والله أعلم ( ذكر نفي الشيء بإيجابه ) لا ينتفى الخير من إيجابه أبدا * ولا يشين العطا بالمن والسأم نفي الشيء بإيجابه هو أن يثبت المتكلم شيئا في ظاهر كلامه وينفي ما هو من سببه مجازا والمنفي في باطن الكلام حقيقة هو الذي أثبته كقوله تعالى ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع فإن ظاهر الكلام نفي الذي يطاع من الشفعاء والمراد نفي الشفيع مطلقا وكقوله تعالى لا يسألون الناس إلحافا فإن ظاهر الكلام نفي الإلحاف في المسألة والباطن نفي المسألة بتة وعليه إجماع المفسرين وذكر ابن أبي الأصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير أنه منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما وهذا هو الحد الذي قرره ابن رشيق في العمدة فإنه قال نفي الشيء بإيجابه إذا تأملته وجدت باطنه نفيا وظاهره إيجابا واستشهد عليه بقول زهير بأرض خلاء لا يسد وصيدها * علي ومعروفي بها غير منكر فأثبت لها في الظاهر وصيدا ومراده في الباطن أن ليس لها وصيد فيسد وألطف ما رأيت من شواهد هذا النوع أعني نفي الشيء بإيجابه قول مسلم بن الوليد لا يعبق الطيب خديه ومفرقه * ولا يمسح عينيه من الكحل فإن ظاهر الكلام نفي عبق الطيب ومسح الكحل والمراد نفي الطيب والكحل مطلقا ومثله قول أبي الطيب المتنبي أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها * مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب ولا برزن من الحمام مائلة * أوراكهن صقيلات العراقيب فظاهر الكلام عدم بروزهن من الحمام على تلك الهيئات والمراد في باطن الكلام عدم الحمام مطلقا فإنهن عربيات كظباء الفلاة ولهذا قال ذو الرمة بالله يا ظبيات قلن لنا * ليلاي منكن أم ليلى من البشر والقصد أن حسنهن لم يفتقر إلى تصنع ولا إلى نظرية بدخول الحمام وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على هذا النوع أعني نفي الشيء بإيجابه يقول فيه عن النبي لا يهدم المن منه عمر مكرمة * ولا يسوء أذاه نفس متهم فظاهر الكلام في بيت الشيخ صفي الدين الحلي أن النبي لا يتبع المكرمة بمن وحاشاه من ذلك ولا يصدر منه لنفس متهم إساءة والمراد في الباطن نفي المن والإساءة مطلقا فإن مقام النبي في الكرم والحلم فوق ذلك والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين غفر الله له يقول فيه عن النبي لم ينف ذما بإيجاب المديح فتى * إلا وعاقدت فيه الدهر بالسلم هذا البيت ليس له تعلق بهذا النوع فإن مشايخ البديع تواردوا في حده على عبارة واحدة لم تختلف بحرف بل الجميع قالوا نفي الشيء بإيجابه هو أن يثبت المتكلم شيئا في ظاهر كلامه وينفي ما هو من سببه مجازا والمنفي في باطن الكلام حقيقة هو الذي أثبته وأوردوا على ذلك ما تقدم من شواهد القرآن العظيم والشواهد الشعرية التي زادت النوع إيضاحا ولم يتضح لي في بيت الشيخ عز الدين غفر الله له لمعة استضيء بها في ظلمة هذه العقادة إلى تقرير هذا النوع في البيت المذكور فلم يسعني غير النظر في شرحه فوجدته قد قال ما نفي الذم بإيجاب المديح كريم إلا وكان النبي قد عاقد الدهر بالسلم على ذلك المعنى قبل الذي فعل هذا الفعل المحمود فإنه هو الأصل في الأسباب